أحدث المواضيع

الخليفة المعتضد بالله مع الظريف ابن المغازلي

كان ابن المغازلي يكتسب عيشه من الوقوف في الطريق يقص القصص والنوادر والمضاحك ، وكان في غاية الظرف لا يستطيع من يسمعه إلا أن يضحك . ويحكى ابن المغازلي قصته مع المعتضد، ونرويها بألفاظه وكلامه فهي أصدق في التعبير عن شخصه وظرفه

قال : وقفت يوماً في خلافة المعتضد على باب القصر أضحك وأنادر ، فحضر حلقتي بعض خدم المعتضد ، فأخذت في حكاية الخدم فأعجب الخادم بحكايتي ، ثم انصرف عني .. فلم يلبث أن عاد وأخذ بيدي وقال : ” إني لما انصرفت عن حلقتك دخلت فوقفت بين يدي المعتضد أمير المؤمنين فذكرت في نفسي حكاياتك ونوادرك فضحكت فرآني أمير المؤمنين فأنكر ذلك مني وسألني فقلت له : يا أمير المؤمنين ، على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يضحك ويحاكي ولا يدع حكاية أعرابي وتركي ونبطي وزنجي وسندي إلا حكاها ويخلط ذلك بنوادر تضحك الثكول ، وقد أمرني الخليفة بإحضارك ولي نصف جائزتك.”.فقلت له وقد طمعت في الجائزة الثانية : ” يا سيدي أنا ضعيف وصاحب عيال ، وقد منّ الله على بك فما عليك إن أخذت سدس الجائزة أو ربعها “.! . فأبى الخادم إلا نصف الجائزة، فرضيت لنفسي بالنصف.

فأخذ بيدي وأدخلني على الخليفة ، فسلمت عليه وأحسنت ، ووقفت في الموضع الذي أوقفت فيه ، فرد على السلام ، وقد كان ينظر في كتاب ، فلما انتهى منه رفع رأسه إلىّ وقال : ” أنت ابن المغازلي ؟ قلت : ” نعم يا أمير المؤمنين ” ، قال : ” قد بلغني عنك أنك تحكى وتُضحك وأنك تأتى بحكايات عجيبة ونوادر ظريفة . ” ، قلت : ” نعم يا أمير المؤمنين، الحاجة تفتق الحيلة وهى طريقة اكتسب بها عيشي ، ” . قال: ” فهات ما عندك وخذ في فنّك، فإن أضحكتني كافأتك بخمسمائة درهم ،وإن لم أضحك فما لي عليك ؟ ” فقلت لسوء حظي وخذلاني : ” ما معي يا أمير المؤمنين إلا قفاي ، فاصفعه ما أحببت وكم شئت وبما شئت ” فقال لي:” قد أنصفت ،إن ضحكت فلك ما ضمنت لك ،وإن أنا لم أضحك صفعتك بهذا الجراب عشر صفعات. ” ، فقلت في نفسي : ” إنه لا يصفع إلا بشيء يسير وبشيء خفيف هين .”. ثم التفتُّ إلى الجراب فإذا هو شيء ناعم في زاوية البيت ، فقلت في نفسي : ” ما أخطأ حزري ولا أخلف ظني وما عسى أن يكون من جراب فيه ريح ؟ إن أنا أضحكته ربحت ، وإن أنا لم أ ضحكه فأمر عشر صفعات بجراب منفوخ أمر هين ..! ” .

ثم أخذت في النوادر والحكايات ،فلم أدع حكاية أعرابي ولا نحوى ولا مخنث ولا قاض ولا زيطى ولا نبطي ولا سندي ولا زنجي ولا خادم ولا تركي ولا شاطر ولا عيار إلا أحضرتها وأتيت بها ، حتى نفد جميع ما عندي وتصدع رأسي وانقطع حسّي فسكتُّ وبردتُ ، فقال لي : ” هية ، هات ما عندك.! “، وهو مغضب لا يضحك ولا يبتسم ، ولم يبق وارئي خادم إلا هرب بسبب غلبة الضحك عليه والخليفة كما هو مقطب الجبين .. فقلت له : ” يا أمير المؤمنين قد نفد والله ما معي ، وتصدع رأسي وذهب معاشي وما رأيت قط مثلك ، وما بقيت لي إلا نادرة واحدة .! ” . فقال : “هاتها ” ، فقلت: ” يا أمير المؤمنين وعدتني أن تصفعني عشراً وجعلتها مكان الجائزة فأسالك أن تضاعفها وتضيف إليها عشراً .” . فأراد أن يضحك ولكنه تماسك ، ثم قال : ” يا غلام خذ بيده ” . فأخذ بيدي ومددت قفاي ، فصفعني بالجراب صفعة فكأنما سقطت على قفاي قلعة ، وإذا في الجراب حصى مدور كأنه صنجات ، فصفعت به عشر صفعات كادت أن تنفصل رقبتي وينكسر عنقي ، وطنّت أذناي ، وقدح الشعاع من عيني ، فلما استوفيت العشرة صحت : ” يا سيدي نصيحة.! ” ، فرفع الصفع عني بعد أن عزم على تكملة العشرة الباقية ، فقال : ” ما نصيحتك ؟ ” قلت : ” يا سيدي إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة ولا أقبح من الخيانة ، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني عليك نصف الجائزة على قلتها أو كثرتها ، وأمير المؤمنين ــ أطال الله بقاءه ــ قد أضعفها ، فقد استوفيت نصفها ، وبقى لخادمك نصفها .” .

فضحك الخليفة حتى استلقى ، واستفزّه ما كان قد سمعه مني أولاً ، وكان يتحامل عليه ويصبر ويكتم ، فلما انطلق في الضحك غلبه الضحك ، فما زال يضرب بيده ويفحص برجليه ويمسك ببطنه ، حتى إذا سكن ضحكه ورجعت إليه نفسه قال : “علىّ بفلان الخادم . ” فأُتي به ،وكان طويلا جسيما ، فأمر بصفعه ، فقال : ” يا أمير المؤمنين وما جنايتي؟ . قلت له: ” هذه جائزتي وأنت شريكي ، وقد استوفيت نصفها وبقي النصف الآخر لك .” .. فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الصافع أقبلت عليه أقول له : ” قلت أني ضعيف وصاحب عيال وشكوت له الحاجة والمسكنة وأقول لك : يا سيدي لا تأخذ نصف الجائزة لك سدسها أو ربعها ، وأنت تقول : ما آخذ إلا نصفها ، ولو علمت أن أمير المؤمنين ـ أطال الله بقاءه ــ جوائزه كلها صفع وهبتها لك كلها.! ” ، فعاد الخليفة إلى الضحك من قولي للخادم وعتابي له ، فلما استوفى صفعه ، وسكن أمير المؤمنين من ضحكه أخرج صرة قد أعدها فيها خمسمائة درهم ، فقسمها بيني وبين الخادم .)

شارك الموضوع مع اصدقائك

شاهد أيضاً

أستاذ جامعي عربي و أمرأة انكليزية

سافر استاذ عربي مقيم في انكلترا الى احدى الجامعات الأوربية في مدينة اخرى بسيارته لحضور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.