أحدث المواضيع

مدرسة الراهبات في بغداد

هذا البناء الذي يحمل اسم (مدرسة الراهبات) يمثل حياة مفعمة بالذكريات، خاصة أن عمره يقترب من المئة سنة، حيث أسس في عهد الملك فيصل الأول عام 1921، وقد صار علامة فارقة ومركزاً مهماً في بغداد حيث منطقة الباب الشرقي، فمن هنا شارع السعدون ومن هناك شارع الرشيد وامتداده شارع ابي نواس ونهر دجلة، كأن البناء يذود عن نفسه بنفسه ويؤكد حضوره في الحياة البغدادية كرمز بغدادي مهم، حيث يعد الكثيرون المدرسة (رمزاً من رموز التعليم المتحضر الذي كان، ودلالاته الرمزية كمكان للعلمانية التربوية التي سادت مرة في العراق حيث تدرس المسيحية والمسلمة واليهودية والمندائية في ثانوية واحدة بمنتهى الوئام والمحبة).

للمكان ذاكرة متوقدة تؤكد انه يعود الى أزمنة بعيدة، ويمكن الاستفادة من المعلومات التي ذكرها الكاتب محمود آل جمعة المياحي، حيث يمكن قراءة ما قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن هذا المكان الذي كان موقعاً لدير عظيم أقيم في زمن الدولة العباسية، كان يسمى (دير الزَنْدوَرْد) وانه كان شأنه شأن الأديرة في تلك الأيام، كان (مكان نزهة) لأهالي بغداد على اختلاف دياناتهم وأطيافهم لما فيه من البساتين وعرائش الكروم، حتى ان ابا نواس قال فيه : (واسقِني من كرومِ الزنْدِوَردِ ضُحَىً / ماءَ العناقيد في ظل العناقيد)، لكن هذا الدير اندثر واختفى من على سطح الوجود، كما يبدو، بسبب الفيضانات المتواترة لنهر دجلة في أزمنة لم يكن للسدود حضور فيها.

ومع تقلبات الأزمنة والأحداث الكثيرة، اصبح المكان (الأرض) ملكاً لشخص اسمه (مصطفى أغا عطفة)، حسب الوقفية المؤرخة في 1821 م/1237هـ، ثم اشتراه الحاج عبد الرحّمن عثمان أغا علي عبد الرحمن الأورفه لي) المولود في بغداد (1824- 1944) وزرعه أشجاراً متنوعة وأنشأ عليه بستاناً عامراً، وعرفت الأرض هذه بـ (الأورفلية). لكن حدوده في هذا المكان تتمثل بشارع سينما السندباد التي هي الحدود الجنوبية للبستان، فيما الحدود الغربية هي عند السدة الترابية المقامة على ضفة النهر والتي اصبحت فيما بعد شارع (ابو نواس)، ومكان المدرسة يعد جزءاً من البستان الكبير. ويبدو ان مستشرقاً او يقال (دارساً) فرنسياً انتبه الى حقيقة ما كان عليه المكان في العصر العباسي، فأوعز الى جمعية تعود لطائفة اللاتين الكاثوليك تدعى (جمعية أخوات المحبة الفرنسيات) بطلب لإنشاء دير في المكان نفسه، وعندما عُرض مشروع بناء (الدير) من قبل هذه الجمعية لم يتردد الحاج عبد الرحمن الأورفه لي في إهداء (قطعة) من ارض البستان الى الجمعية، وهذا ما حصل فعلاً. وباشرت شركة معمارية فرنسية البناء مطلع العشرينات، وكان البناء على غرار دير قديم كان الفرنسيون قد بنوه في القرن التاسع عشر في منطقة (عگد النصارى) وأسموه (دير راهبات التقدمة المركزي) او الكوليج دي سانترينو. وتذكر صحف تلك الأيام أن الماسيرة جوزيف كانت هي المشرفة على بناء الدير، وكان يتكون في أول أمره من سرداب ومبنيين، أحدهما يطل على موقع جسر الجمهورية الحالي وكان مخصصاً كدير، والآخر كان يطل على جهة شارع السعدون الحالي كمدرسة للراهبات، وأما السرداب فكان مكاناً لمعيشتهن .

استمرت المدارس في هذا المكان بتعليم كل طوائف المجتمع العراقي ولكل المراحل الدراسية وكانت (ادارة المدارس) تنقل الطالبات من جميع مناطق بغداد بواسطة باصات صفراء اللون مكتوبٌ عليها (مدارس راهبات التقدِمة)، ويقال ان وزير التربية في العام ١٩٦٤ اصدر أمراً بتغيير اسمها الى (ثانوية العقيدة للبنات)!، حتى جاء قرار تأميم المدارس عام 1973 لتكون المدارس ضمن ممتلكات وزارة التربية، وعندها فُصلت المدارس فاصبحت الروضة :(الشقائق) والابتدائية :(دجلة) والثانوية : (العقيدة للبنات) ، وجرت عليها في التسعينات بعض الترميمات، اما آخر بناء جرت اضافته فكان عام 2005 وان المدرسة الرابعة التي اضيفت هي (كلية بغداد للمتميزات) سنة 2010 ليكون مجموع المدارس اربع مدارس.

شارك الموضوع مع اصدقائك

شاهد أيضاً

قصر الرحاب في بغداد _ تم بنائه عام 1937

القصر الملكي الثاني بعد قصر الزهور، تم بناؤه على نفقه العائلة المالكة غربي محافظة بغداد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.